وليكن الإحباط قدراً! / سمير سكيني





في العنوان/
قد يبدو العنوان للوهلة الأولى ساذجاً، نسخة ممسوخة عن عنوانٍ سابق لمقال من مقالات سمير قصير الأخيرة، قبل أسابيعٍ معدودة من استشهاده. كان ذلك في العام 2005. حينها، كانت الحالة الـ 14 آذاريّة في بداياتها، وكان يستشف بعض روّادها، منها، القليل من الأمل. هذا ما يقوله يساريّو الحركة الشعبيّة آنذاك، وهذا ما تنضح به مقالات سمير. من هذه الزاوية تحديداً، رفض الشهيد اعتبار الإحباط قدراً. أمّا اليوم، إعادة هذا الشعار إلى الواجهة، لا لشيء سوى لإحياء ذكرى الاغتيال، يبدو فعلاً عاطفيّاً بحتاً، منفصلاً عن الواقعيّة السياسيّة، منفصلاً كذلك عن الحس النقدي اللاذع الّذي اتّسمت به –إن استطعنا تسميتها كذلك–  الأقلام اليساريّة في الحالة الـ 14 آذاريّة.
 
اقتباسات سياسيّة مقتضبة/
ماذا أقصد بالحس النقدي؟ من جملة ما قرأت من الأمس حتى اليوم، من مقالاتٍ متعلّقة بالذكرى، لفتتني فكرتان. الأولى، لسمير قصير نفسه، في مقالته ذاتها، المعنوَنة "ليس الاحباط قدراً": "ولكن كيف لا يُحبَط الناس حين يَرون هذه القوة أو تلك من قوى المعارضة تجازف بوعد التغيير من أجل حسابات فئويّة صغيرة، مثلما جرى في انتخابات نقابة المهندسين حيث تحالف تيّاران من المعارضة، مع قوى فاعلة في "حزب التلازم" وضد المعارضين الآخرين. أو مثلما يجري في البازار الانتخابي المبكر وراء الكواليس، حيث يتم "تبييض" وجوه جسّدت التلازم في السياسة الخارجية أو المالية للدولة، أو مثلما يخشى أن يحصل إن تم تحصين "موقع الرئاسة" لمجرد أنّه يرمز إلى طائفة. لحسن الحظ، لم يفت الأوان بعد، وإن بدأ يفرغ الصبر".
والفكرة الثانية، من مقال لوسام سعادة، في جريدة السفير في اليوم التالي لاغتيال سمير قصير، معنوَن "تروتسكي المعارضة اللبنانيّة"، يكتب في خواتيمه: "سأبقى أخالفه [سمير] لجهة الموقف من التحالف مع قوى رجعية بإزاء قوى رجعية أخرى، كما لو كانت القوى الرجعية التي يستهدفها اضطهاد أو قمع تتحوّل مباشرة، عن غير وعي، وبأثر من الحركة الميدانية فحسب، إلى قوى ديموقراطية. كان 14 آذار حدثاً ذا كمون ديموقراطي، لكنه لم يكن من صنع ديموقراطيين: هذا هو خلافي مع أستاذي سمير قصير. أما عنصر الالتقاء فهو بالفعل، أهم وأمضى: إنّ الكمون الديموقراطي لـ 14 آذار سيتم وأده على محراب الرجعية، ما لم يبزغ فجر الديموقراطية في سوريا".
تلك التوجّهات كفيلة بتبيين الآمال الّتي كانت معلّقة على لحظة تاريخيّة واحدة من جهة، والحذر السياسيّ المرافق لها من الجهة الأخرى. حذر نقديّ، تبَيّن بعد أعوام أنّه كان صائباً. لذلك، يفضّل معظم اليساريّون الّذين انضووا تحت لواء 14 آذار حينها، أن يشدّدوا اليوم على أنّها كانت فعلاً "لحظة"، تختلف بنيويّاً عن "الحالة" الّتي تلتها، وأنّ السلطة، بوحدة تناقضاتها، استطاعت أن تسلب من اللّحظة هذه نزقها الديموقراطي، واستطاعت ببطشها أن تُصمت كل من كانت خلفيّته السياسيّة-الفكريّة قادرة على إقامة الربط الضروري بين الداخليّ والخارجيّ، بين الديموقراطيّ والطبقيّ، بين التحرّر والحريّة؛ وعَوَّمت بالمقابل تيّاراتٍ سياسيّة فكريّة محافظة، أعجز من أن تلبّي آمال شعبٍ، وأغبى من ذلك أيضاً، لا بل أخبث وأبخس من أن تَقنَع ولو للحظة بذاك الربط الّذي جاهد العديد لإقامته حينها. فكان الإحباط، بعد اغتيال سمير وما يمثّله من آراء، قدَراً.
 
اليوم/
اختلف المشهد، جذريّاً. بات مملّاً. أليس كذلك يا رفاق؟ بالأحرى، أصبح –تحديداً– مُحبطاً. أمام المتغيّرات، سيّما فيما يُمسَخ في الشارع تحت عباءة 17 تشرين أو ما يجري في البناء السياسي الفوقي من انتهاكاتٍ بحق الفئات الاجتماعيّة المهمّشة، لم يعد الشعار –أيّاً كانت ورديّته– كفيلاً بإعادة صقل المعنويّات. عاتبتني صديقة صباحاً: "انشالله مفكّر ح يتغيّر شي؟ سمير قصير مات. ومنيح مات بوقتها، بلا ما يشوف شو صار من بعدها". وبقَدر ما يبدو هذا العتاب انفعاليّاً، بقَدرِ ما هو أقرب إلى الواقع من "ليس الإحباط قدراً". سمير قصير مات. حقّاً مات. ولكن، ألسنا شهودٌ على ذلك؟
 

خاتمة-شبه-فلسفيّة/
فكّرت في نفسي، بنفسي، لنفسي... كلّها. كان عتاب صديقتي في مَوضعه. لكن، أتعلمين ماذا؟ ليكن الإحباط قدراً! منه ننطلق، وعليه نبني. أخطأ كامو حينما طالبنا بتصوّر سيزيف سعيداً. أبداً. السعادة لم تأتي يوماً بثورة. لن نتصوّر سيزيف سعيداً بعد اليوم، بالضدّ تماماً، سنتصوّره مُحبطاً. لكنّه مع ذلك أصر على حمل صخرته – علّه، يوماً ما، بعد أن يبلغ قمّة الجبل، يرميها بوجه الآلهة. ربّما كان سمير متبنّياً للمقاربة ذاتها. عليه، لن نتصوّر سمير متفائلاً كذلك، بل كان محبطاً، محبطاً أشد الإحباط. كان يعلم أنّ اغتياله قادم، وكان يعلم أن ما حُقّق في لحظة سيُمسَخ لاحقاً، ولكنّه مع ذلك رمى شعاره قبل الرحيل، بين الجماهير وللجماهير، عربونَ شكرٍ وتقدير لما أنجَزَته حتّى اللحظة. يقع التناقض عندما نسلّم بأنّ هذا الشعار كان نقطة إنطلاق. لا بل العكس، كان نقطة وصول، غاية بذاته. المنطلق اليوم هو احباطنا؛ فليكن الإحباط قدراً، يا رفاق، ولتكن المجابهة في الضوء، حتى تحقيق ما كان يحلم به سمير، حتّى نصل إلى حالة نقول فيها، كان الإحباط قدراً، ولم يعد!


Comments

Popular posts from this blog

أرشيف المقالات